السيد عبد الله شبر

37

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم ، وعدم تولّي أئمّة الحقّ لسياستهم ، فيعذرهم لذلك ويعفو عنهم ، ويعذّب أئمّة الجور وأتباعهم بتسبّبهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقّون من جرائم أنفسهم . الرابع : أنّها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون ، فإنّه تعالى لمّا خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنّه تعالى خلقهم من طينات مختلفة ؛ ولا يخفى ضعفه . الخامس : أنّها كناية عن اختلاف استعدادهم وتفاوت قابليّاتهم ، وهذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره ؛ إذ لا شبهة في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابليّة ، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف ، فإنّ اللَّه تعالى كلّف النبيّ صلى الله عليه وآله حسبما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات ، وكلّف أبا جهل حسبما أعطاه من ذلك ، ولم يكلّفه ما ليس في وسعه ، ولم يجبره على شيء من الشرّ والفساد . السادس : أنّ غاية ما يلزم من الخلق من الطينتين الميل والمحبّة لما يقتضيه كلّ منهما من خير وشرّ بالاختيار ، وذلك لا يستلزم الجبر ، سيّما بعد تصريحه عليه السلام بخلط الطينتين الموجب لتدافع الطبيعتين والوقوف على حدّ الاعتدال ، بحيث يصير المؤمن قادراً على السيّئة ، والكافر قادراً على الحسنة . ويؤيّده قوله عليه السلام في بعض أخبار هذا الباب : « فقلوب المؤمنين تحنُّ إلى ما خلقوا منه ، وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه » « 1 » ، وظاهره أنّ ذلك الخلط والمزج صار سبباً لمجرّد الميل ، لا أنّه رفع القدرة والاختيار وصار علّة للإجبار . ولعلّ الحكمة والمصلحة في مزج الطينتين إظهار قدرته تعالى في إخراج الكافر من المؤمن وبالعكس - دفعاً لتوهّم استنادهم إلى الطبائع - أو ظهور رحمته تعالى في فسّاق المؤمنين بغفران ذنوبهم ، أو تعيّش المؤمنين في دولة الكافرين ؛ إذ لو لم تكن رابطة الاختلاط ولم يكن لهم رأفة وأخلاق حسنة كانوا كلّهم بمنزلة الشياطين ، فلم يتخلّص أحد من بطشهم ، أو لوقوع المؤمن بين الخوف والرجاء ، حيث لا يعلم أنّ

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 2 ، باب طينة المؤمن والكافر ، ح 1 ؛ علل الشرائع ، ج 1 ، ص 82 ، ح 2 ؛ الاختصاص ، ص 24 ، ح 4 ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 239 ، ح 18 .